اعتبر الخبير الاقتصادي ​جاسم عجاقة​، في حديث لـ"النشرة"، أن "مشروع موازنة العام 2027 يُعاني من مشاكل هيكلية جوهرية، فضلاً عن فرضه عبئاً مالياً مباشراً من خلال سياسات ضريبية ورسوم تستهدف فئات محددة من دافعي ​الضرائب​"، مؤكداً أنه "لا يمكن تعويض غياب الإصلاحات الهيكلية الشاملة الضرورية لتحقيق التعافي على المدى الطويل، بمجرد فرض ضرائب على هذه الشرائح من المجتمع".

وأشار إلى أن السعي لتحقيق عجز أولي صفري، أي ميزانية متوازنة تتساوى فيها الإيرادات والنفقات عند مستوى 614.95 مليون ليرة ​لبنان​ية، يعني أن الحكومة ستستمر في تقييد الاستثمار العام، رغم حالة الركود الاقتصادي المستمرة، موضحاً أن المشروع يُظهر ميزانية متوازنة لأنه لا يتضمن تكاليف خدمة ديون "اليوروبوندز" (Eurobonds) المتعثرة أو المدفوعات للدائنين الأجانب، وبالتالي فإن الميزانية "المتوازنة" المقدمة هي لأغراض محاسبية فقط، وليست لأغراض هيكلية.

كما لفت إلى أن رواتب ​القطاع العام​ ومعاشات التقاعد والمساهمات الاجتماعية تستحوذ على أكثر من 53.5% من إجمالي النفقات الأولية، مما يترك مجالاً ضئيلاً للمرونة التشغيلية، في حين يخصص مشروع الميزانية للنفقات الرأسمالية ما يعادل 10.8% فقط من إجمالي النفقات، كما ألغى برامج البنية التحتية، لافتاً إلى أن المشروع يقترح أن تأتي أكثر من 85.9% من الإيرادات من الضرائب (والعديد منها ضرائب استهلاك غير مباشرة)، وهي ضرائب تؤثر بشكل غير عادل على دافعي الضرائب من ذوي الدخل المنخفض والمتوسط.

وأوضح أن أبرز الرسوم التي ستؤثر مباشرة على المواطنين والشركات تشمل: فرض ضريبة بنسبة 10% على الأفراد وضريبة بنسبة 15% على الشركات عند بيع العقارات، مع استثناء (سقف) للعقارات التي لا تتجاوز عقارين استُخدما كمسكن رئيسي لأكثر من اثني عشر عاماً، أما جميع العقارات المشتراة قبل 10 أيلول 2026 فستخضع لضريبة ثابتة بنسبة 1% عند التصرف بها (البيع)، اقتطاع الضريبة من الرواتب وأجور العمالة اليومية، حيث يبلغ الخصم الأساسي اليومي المسموح به للموظفين الذين يتقاضون أجورهم بالساعة 1,500,000 ليرة لبنانية، مع تطبيق معدل اقتطاع ثابت قدره 3% على مدفوعات العمالة العرضية التي لا تخضع للخصم الأساسي، فرض ضريبة انتقائية بقيمة 15,000 ليرة لبنانية لكل لتر على مشروبات الطاقة المعبأة، سواء كانت مستوردة أو منتجة محلياً في لبنان، زيادة ضرائب الشركات القابضة (Holding) وشركات الأوفشور (Offshore) ودفع مبلغ مقطوع سنوي قدره 200,000,000 ليرة لبنانية.

ورأى أن الاعتماد الكلي على تحصيل الضرائب يعزز انكماش الطلب الكلي، ما سيؤدي في النهاية إلى توسع ​الاقتصاد غير الرسمي​ (الكاش)، مشيراً إلى أن من الأفضل اعتماد خيارات هيكلية لتجنب تحميل المواطنين أعباءً مالية إضافية، مثل: توسيع القاعدة الضريبية من خلال ​التحول الرقمي​: فبدلاً من رفع معدلات الضرائب على المكلفين الملتزمين، ينبغي الانتقال إلى استخدام البنية التحتية الرقمية لعمليات التحصيل ومتابعة الامتثال، واعتماد أنظمة التتبع الآلي عبر الحدود والتحصيل المدعوم بالذكاء الاصطناعي في جميع نقاط العبور والموانئ، الإسراع في إعداد إطار تشريعي شامل لإعادة هيكلة المصارف ومعالجة الفجوة المالية، بما يتيح للقطاع الخاص الحصول على القروض، توحيد هياكل الرواتب المتباينة والبدلات المؤقتة المرتبطة بالإنتاجية في القطاع العام، ودمج المؤسسات المملوكة للدولة التي تعاني من ضعف الأداء، مواءمة ال​سياسة​ النقدية مع ​مصرف لبنان​ للعمل وفق سعر صرف موحد، مما سيحقق تكاملاً تاماً مع احتياطيات المصرف المركزي ويخلق اقتصاداً أكثر استقراراً.